أحمد بن محمود السيواسي

222

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

نزلت الآية في الزبير وحاطب بن أبي بلتعة حين اختصما إلى النبي عليه السّلام في مسيل الماء من الحرة ، فقال عليه السّلام : « يا زبير اسق به نخلك ثم أرسل الماء إلى جارك » ، فغضب حاطب « 1 » ، ثم قال اللّه تعالى توبيخا على نفورهم من حكمه عليه السّلام ( وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا ) أي أوجبنا وفرضنا ( عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ) كما أوجبناه على بني إسرائيل حين طلبوا التوبة من ذنوبهم ( ما فَعَلُوهُ ) أي المكتوب عليهم ( إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ) برفع « قَلِيلٌ » بدل من ضمير « فعلوا » « 2 » ، وبنصبه « 3 » استثناء ، والظرف صفة ل « قَلِيلٌ » ، والقليل جماعة الصحابة كعمر ويسار وعمار بن ياسر وثابت بن قيس ، وعبد اللّه بن مسعود ، فإنهم قالوا : واللّه « 4 » لو أمرنا محمد بذلك لفعلنا ، فقال عليه السّلام : « إن من أمتي رجالا ، الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي » « 5 » ، ثم زاد توبيخهم بقوله ( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ ) من الطاعة والرضا بحكم الرسول ( لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ) في عاجلهم وآجلهم ( وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ) [ 66 ] أي ولكان أقوى تحقيقا لإيمانهم وأبعد من الاضطراب فيه . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 67 ] وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ( 67 ) ( وَإِذاً ) جواب لسؤال « 6 » مقدر ، كأنه قيل : ماذا يكون لهم بعد التثبيت ، فقيل : ولو ثبتوا إذن « 7 » ( لَآتَيْناهُمْ ) أي أعطيناهم ( مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ) [ 67 ] وهو الجنة في الآخرة . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 68 ] وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 68 ) ( وَلَهَدَيْناهُمْ ) أي وفقناهم لازدياد الخيرات في الدنيا ( صِراطاً مُسْتَقِيماً ) [ 68 ] وهو الإسلام . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 69 ] وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ( 69 ) قوله ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ ) نزل في جماعة من الصحابة ، قالوا : يا رسول اللّه ! إن صرنا إلى الجنة تفضلنا بدرجات النبوة فلا نراك « 8 » ، وقيل : نزل في شأن ثوبان مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان شديد الحب له عليه السّلام ، قليل الصبر عنه حتى أتاه يوما « 9 » قد تغير لونه ونحل جسمه ، فقال له رسول اللّه : ما غير لونك ؟ فقال : ما بي مرضي ولكني أخشى أن لا أراك يوم القيامة لعلو منزلتك « 10 » ، فقال تعالى ومن يطع أمر اللّه وأمر رسوله ( فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ ) أي المبالغين في الصدق ( وَالشُّهَداءِ ) كشهداء أحد وبدر وغيرهم ممن قتلوا في سبيل اللّه ( وَالصَّالِحِينَ ) من المؤمنين « 11 » بالإخلاص ، أي لا يفوت المحبون مجالستهم في الجنة ( وَحَسُنَ أُولئِكَ ) أي الموصوفون بهذه الصفات ( رَفِيقاً ) [ 69 ] أي رفقاء في الجنة ، نصبه تمييز أو حال ، وفيه معنى التعجب ، أي ما أحسن أولئك رفيقا ، وهو مفرد بمعنى الجمع كالطفل بمعنى الأطفال . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 70 ] ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً ( 70 ) ثم أشار إلى أنهم نالوا ذلك بفضل اللّه لا بغيره بقوله تعالى ( ذلِكَ ) أي المن والعطية ، مبتدأ ، خبره ( الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً ) [ 70 ] أي كفى اللّه عالما بثواب من أطاعه في الآخرة ، فإنه يعطيهم ما علمه لهم من الثواب .

--> ( 1 ) اختصره من البغوي ، 2 / 100 - 101 . ( 2 ) فعلوا ، ب م : فعلوه ، س . ( 3 ) « إلا قليل منهم » : قرأ الشامي بالنصب ، والباقون بالرفع . البدور الزاهرة ، 81 . ( 4 ) واللّه ، ب م : - س . ( 5 ) انظر البغوي ، 2 / 102 . ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها . ( 6 ) لسؤال ، س : سؤال ، ب م ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 1 / 255 . ( 7 ) نقله المفسر عن الكشاف ، 1 / 255 . ( 8 ) عن الضحاك ، انظر السمرقندي ، 1 / 367 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 2 / 103 - 104 ( عن قتادة ) ؛ والواحدي ، 140 . ( 9 ) أتاه يوما قد : س : - ب م ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 140 ؛ والبغوي ، 2 / 103 . ( 10 ) عن الكلبي ، انظر السمرقندي ، 1 / 367 ؛ والواحدي ، 140 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 2 / 103 . ( 11 ) المؤمنين ، م : المسلمين ، ب س .